ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الإنسان الإبراهيمي

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
صدقي عاصور
صدقي عاصور
الخميس 23 كانون الثاني 2025
الخط


في عام 2019، والمنطقة في طريقها إلى الحقبة الإبراهيمية، أوقفتنا المخابرات على حدود دولة عربية. حينها أخبرنا الضابط أن القضية الفلسطينية باتت عبئاً على بلده الذي حمل رايتها كثيراً. على هامش ما يقال عن البنية الأمنية للنظام السوري قبيل انهيارها، فإن المنظومات الأمنية بكل الدول العربية قائمة على الفهلوة والبهورة والتسلق. دولة البعث في سوريا كانت بيروقراطية سوفياتية متأخرة، ولكن الأنظمة العربية المعتدلة أيضاً بيروقراطيات كافكية، مع فرق تموضعها الجيوسياسي الذي ينجيها ويقرر حصولها على «القروض» بدلاً من «العقوبات» من الغرب. كل تلك الأنظمة المتجددة على يد منظومة جورج بوش الابن لمحاربة الإرهاب والمتغولة خلال ثوراتها المضادة بعد 2011، هي أتفه من أتفه نظام شيوعي كان على وشك التداعي في الثمانينيات. وإذا كان ادعاء الكاتب ألكسندر زينوفييف -غير البريء والمستغل بخبث من الغرب- أن الشيوعية المتأخرة أنتجت الإنسان السوفياتي (Homo Sovieticus) ذا صفات الامتثال والكسل والنفاق، فإن تلك المنظومة العربية أنتجت الإنسان الإبراهيمي (Homo Abrahamicus) الذي يملك صفات مشابهة.

في لبنان، هذا الإنسان حالة فرانكشتانية بين 14 آذار و17 تشرين، كما هي منصة «أساس ميديا» الإعلامية. نبيل عمرو هو نموذج «الفلسطيني الوطني الأليف» المقبول في تلك المنصة، والذي يتوهّم أنه يقوم بعمل وطني لدى كتابته على صفحاتها؛ للمفارقة، يتهم عمرو زملاءه في الطبقة السياسية الفلسطينية بأنهم يعيشون في فقاعة بعيداً عن واقع الناس، من على منبر فقاعة إعلامية يتشاركها مع أمثال نديم قطيش ومدير تحرير الموقع، محمد بركات، الذي فسّر لنا طبيعة حرب إسرائيل علينا، ليس كنزاع بين الدولة الإبادية الحاصلة على الضوء الأخضر والدعم الكامل الغربي وبين الرازحين تحت عقوبات قيصر، بل كحرب بين علمانيي إسرائيل (بما يشمل سموتريش وبن غفير) وثيوقراطيي الممانعة (بما يشمل الأسير جورج عبد الله).

هذه ليست أول مرة تأخذ فيها العلمانية طابعاً إبادياً ضد «الآخر غير القابل للاندماج». مفكّرو التنوير في أوروبا شعروا أن مشروعهم التنويري لا ينطبق على يهود أوروبا وأهل المشرق وآسيا بينما كانوا ينتقلون من مرحلة المجتمع البورجوازي الحرّ إلى مرحلة الدولة العسكرتارية الشعبوية التي أنشأها لويس بونابرت كثورة مضادة على المجتمع الحرّ (لا يعي الليبراليون العرب أن الاستبداد المعاصر بدأ مع نابليون وابن أخيه وليس مع عبد الناصر والبعث كما يتباكون) من هنا أوصلتنا العلمانية إلى الدولة الاستعمارية البريطانية والفرنسية والدولة النازية الألمانية والدولة السوفياتية (شبه الرأسمالية) البوليسية وحتى دولة الصفقة الجديدة في أميركا نكصت إلى الإمبريالية المستمرة حتى يومنا هذا.

هذه ليست أول مرة تأخذ فيها العلمانية طابعاً إبادياً ضد «الآخر غير القابل للاندماج»

هنا تكتسب «البربرية»، بالتعريف الماركسي، معنى مختلفاً عمّا يحلوا لمحمد بركات ورفاقه. فالبربرية ليست بالضرورة الفرق بين التراث والحداثة، الشرق والغرب، الغيب والعلم، بل هي عملية انقلاب الدول تحت ثقل تناقضاتها إلى حقب الإبادة السياسية والعرقية. هنا لا يعي بركات «ذاته المتنورة» كجزء من عملية «بربرية». نعوم تشومسكي يعطي المفكرين والعلماء الملتفين حول الدولة الأمنية-الرأسمالية لقب «متطرفي الدولة» أمّا الصحافي كريس هيدغز، فهو ينتقد دعاة العلم والمنطق المدافعين عن دولة الشركات ومحاربة الإرهاب السلطوية في أميركا. وحتى لو ادعى بركات ورفاقه أنهم لا يتبعون للدولة بل «المجتمع المدني»، فالوعد الفردوسي بتقليد نموذج المجتمع الغربي، كما يصف الأكاديمي كريس هان، هو بحد ذاته ديانة علمانية لها «غيبيّاتها». كما لا يوجد شيء اسمه المجتمع المدني، بل بيروقراطية تدّعي بأنها غير حكومية وأنها نزلت من السماء كي تنتقد الفساد البيروقراطي المشرقي، بينما هي بالواقع تتبع بشكل غير مباشر للبيروقراطيات الخليجية الإبراهيمية.

كنيسة محمد بركات ورفاقه الإبراهيمية تؤمن بدولة الصفقة الجديدة أي «صفقة القرن» في لبنان، أي الدولة اللبنانية المطبعة مع الدولة الإسرائيلية، والممولة من الدولة الخليجية المرفوع عنها العقوبات من الدولة الغربية والتي ستوصل اللبنانيين إلى جنة «باريس الشرق». هذه يوتوبيا غارقة بالغيبيات، وتتجاهل أبسط الحقائق، فلا علاقة بين التطبيع والديموقراطية والتنمية، فالدولة الوحيدة الديموقراطية في الخليج، الكويت، هي الدولة الوحيدة غير المطبّعة، ومصير الدول المطبّعة غير النفطية كان الاستبداد السياسي والأزمات الاقتصادية أو الحرب الأهلية. هذه النظرة الضيقة للتنمية تتجاهل إشكاليات كبرى، أهمّها تحطيم الطبقات العاملة وانعدام المساواة الاقتصادي السحيق داخل لبنان وبين دول الخليج ودول المشرق، والذي سيزداد تفاقماً على يد الذكاء الاصطناعي الذي يحتفي به محمد بركات كما توماس فريدمان.

بدلاً من اعتراف محمد بركات بالواقع الذي يعيق الوصول إلى «باريس الشرق»، يلقي اللوم على شيطان الديانة الإبراهيمية: المشروع الإيراني. هنا يصبح بركات إنساناً غيبياً عاطفياً يغلّب منطق الإنشاء على الأشياء، ويتهافت تحت تناقضات خطابه، فلا أسوأ من الخطر الإيراني ولكنه «سيارة رينو» بالمقارنة مع «سيارة الفيراري» الإسرائيلية، وإسرائيل تحبّ حزب الله وحماس (لهذا تغتالهم وتقتل قادتهم تحت سبعين طناً من الركام)، و«العقل المتنور» في إمكانه الاحتفاء دون تناقض بـ«النصر العلمي» الإسرائيلي في لبنان وغزة و«النصر الإلهي» لـ«هيئة تحرير الشام» في سوريا. وسلاح المقاومة الفلسطينية واللبنانية دائماً سلاح ميليشيات وأذرع، يستحق وداع أرنست هيمنغوي، أمّا وليد جنبلاط وأحمد الشرع، فهما رفاق سلاح منذ مئة عام!

ومع أن محمد بركات ورفاقه يحتفون بغيبيّي سوريا الجدد، إلا أنهم يقلّدون، من دون وعي، البيروقراطية الأسدية السابقة في سوريا. تماماً كما كره الأسد «إخونجية» تركيا والمعارضة، يكره بركات «إخونجية» حماس وإسلاميي حزب الله دون أن يعرض على الناس أي تنظيم سياسي بديل حقيقي وواسع إلا طبقته الإدارية الاحترافية المستقوية بعقوبات قيصر والمال الخليجي.

في النهاية، لم أكتب هذا المقال دفاعاً عن السنوار فقتاله الأيقوني حتى آخر نفس لن يخدشه تحاذق صغار الناس، بل كتبته من أجل الشهيد خالد النبهان، الرجل «الغيبيّ» الحضاري الذي علّمنا الكثير عن الحياة والموت والذي ظفره يساوي رؤوس كل برابرة التطبيع محبّي «دولة العلم» الإسرائيلية.
* كاتب فلسطيني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك